طاش ما طاش


 

 

 

من الطبيعي أن تكون ظاهرة التدين في العالم الإسلامي التي توسع تأثيرها وتمدد نفوذها، هدفا سهلا ومثيرا للأعمال الدرامية نقدا وتقويما، والفيلم أو المسلسل أو الحلقة التلفزيونية التي تتعرض للتدين والمتدينين، أو للإسلام والإسلاميين، أو التشدد والمتشددين، أو الإرهاب والإرهابيين، ستصبح وبشكل تلقائي عملا فنيا جماهيريا، بغض النظر عن مستواها الفني، بل وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها، ولهذا نالت رواية سلمان رشدي (آيات شيطانية) شهرة واسعة، وطبع من نسخها مئات الألوف مع أن مستواها الأدبي لم يكن بالتأكيد هو السبب في بلوغها هذه الشهرة التي أطبقت الآفاق، وإنما جرأة مؤلفها الوقحة في تعرضه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وزوجاته الطاهرات، جعلت من روايته إحدى أشهر روايات العصر. 

ومع تسليمي أصلا بالفارق الكبير بين رواية سلمان رشدي وعدد من الأعمال الفنية العربية التي تعرضت لنقد الظاهرة الإسلامية، إلا أن الذي بجمع بينها أنها نقدت ما تعتبره المجتمعات الإسلامية المحافظة منطقة محظورة، وان هذا النقد تجاوز تصرفات مسلمين بشر إلى التعرض إلى ديانتهم بالتهكم من المسلمات الشرعية والسنن النبوية، ولهذا أثارت عدد من الأفلام العربية، ومنها بعض أفلام عادل إمام التي انتقدت الظاهرة الإسلامية وإشكالاتها بأسلوب ساخر ومتهكم، زوبعات من النقد والجدل قد يتجاوز في بعض الأحيان حدود النقد والتقييم للعمل ذاته، إلى التعرض بأحكام خطيرة تطال الممثلين والمخرجين والمنتجين، وهذا بالضبط ما أثارته مؤخرا بعض حلقات (طاش ما طاش)، العمل الفني الأشهر حاليا في الكوميديا السعودية. 

في تقديري، أن الخطأ الذي وقع فيه معدو ومنتجو هذه الأعمال الفنية، ومنها عدد من حلقات (طاش ما طاش)، أنهم وهم يمارسون حقا مشروعا في نقد ظاهرة التشدد واستغلال الدين والأخطاء التي يقع فيها الدعاة، أو المنتمون إلى الهيئات الإسلامية الرسمية أو الشعبية، حالهم كحال بقية المجتمع، قد تعرضوا بالسخرية لعدد من المظاهر الدينية والمسلمات الشرعية، خذ على سبيل المثال، الحجاب واللحية وتقصير الثوب وبعض الأدعية النبوية. 

الخطأ الآخر لهذه الأعمال الفنية بما فيها (طاش ما طاش)، أنها لم تكن عادلة في نقد كل المظاهر السلبية للمجتمع، فالتشدد والإرهاب واستغلال الدين الذي حاولت هذه الحلقات أن تعالجه، مشاكل فعلا موجودة في كل المجتمعات وفي كل الأزمنة، وتستحق من الجميع التشخيص والمعالجة، ولكن على الجانب الآخر لم تتعرض لمظاهر سلبية أخرى بدأت تظهر أعراضها في المجتمعات العربية، مثل التحلل الأخلاقي ومعاكسة الفتيات والتحرش الجنسي والشذوذ وانتشار المسكرات والمخدرات، وبروز الجرأة على السخرية بمسلمات الدين وسننه. 

يتساءل هؤلاء أين معالجة (طاش ما طاش) لظاهرة بيوت تمارس فيها الرذيلة وتروج من خلالها المخدرات، وتباع فيها المسكرات التي تقف خلفها عمالة اجنبية، وروادها شباب سعوديون تلاعبت بغرائزهم فضائيات ، هذه الأوكار التي بدأت تتهاوى مع أوكار الإرهاب، كشفتها وعرتها أجهزة الدولة المختلفة، بما فيها هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي دوما ما تسلط الأضواء الإعلامية على أخطائها ويتغافل عن إيجابياتها. 

أود أن اؤكد هنا أنني ضد من يتصور انه يملك استثناء من النقد والتقويم، أيا كان، لكن الاعتراض على أسلوب التقويم، وكذلك تعريض سنن الدين للتهكم بحجة نقد الأشخاص أو الهيئات والتصرفات، وهذا في ظني ما لم يفهمه (الطاشيون) أو المتحمسون لهم. 


 

إن برنامج (طاش ما طاش) بهذا الأسلوب الذي يصفه خصومه ومنتقدوه بـ(الاستفزازي)، قد فقد بعض الفرص السانحة في التغيير وإصلاح بعض المظاهر الاجتماعية السلبية، خاصة في محيط المهتمين بالشأن الإسلامي وكذا الشرائح العادية المحافظة، فصار ما يصدر من نقد (طاش ما طاش) لهذه السلبيات بالنسبة لهم مرفوضا لا مصداقية له، بل صوروه على أنه تهجم على الدين نفسه وسننه وتشريعاته، ولو أن البرنامج تحاشى التعرض لبعض الأحكام الشرعية والمسلمات الدينية في معرض نقده لفئات محافظة، لكانت ردود الفعل أخف، ولكانت فرصه في التغيير أفضل

منقول من جريدة الشرق الاوسط